خدمات

"الاستراتيجية الوطنية للتعليم" في مرمى عشوائية "السوشال ميديا"

الثلاثاء 08/مايو/2018 - 03:13 ص
أشرف جابر
أشرف جابر
Business Review
 

 "تعلم لتكون، تعلم لتعرف، تعلم لتعمل، تعلم لتتعايش مع الآخر" ، تلك هي الاتجاهات الأربعة، التي حرصت الاستراتيجية الوطنية للتعليم "الجديدة" على تأصيلها في كافة جوانبها، والتي أعلنتها وزارة التعليم مؤخراً، وأظنها تكفي لاعتمادها كأساس وقاعدة لفلسفة ومنهجية التعليم في مصر لعقود طويلة قادمة.

 

وبقدر مايكشف النقاش الفسيبوكي الحاد حول الاستراتيجية الجديدة التي وضعتها وزارة التربية والتعليم أهمية الموضوع، فإنه يعد نموذج مثالي للأداء المعكوس لوسائل التواصل الاجتماعي، فبدلاً من أن تسهم تلك الوسائط في فتح نقاش مجتمعي كبير وجاد حول مشروع لايمس فقط كل بيت في مصر، وإنما يتعلق بالأساس بمستقبل البلاد وقدرتها على إدراك كل تلك الأمم الي سبقتها خلال النصف قرن الأخير، تحولت المنشورات على فيسبوك وتويتر وغيرهما إلى أدوات تضليل واستخفاف، حتى كدت أشك أن مؤامرة كونية تدير العملية بأكملها!

 

فما بين حديث صاخب مركزه أن استراتيجية التعليم قد ألغت اللغة الإنجليزية من المرحلة الابتدائية (بينما الاستراتيجية تؤكد أن أبنائنا سينهون الصف الثاني عشر وهم يتقنون ثلاث لغات، اللغتين العربية والإنجليزية، ولغة أجنبية ثانية)، إلى صراخ هيستيري رافض لإلغاء "المدارس التجريبية"؛ انضم مئات الآلاف (ربما الملايين) لصفوف المتخوفين والناقلين لمنشورات تعيسة، تتهم الوزير والوزارة والرئيس والمتآمرون معهم من الجن والعفاريت باستهداف مستقبل أبنائهم.

 

وزير التعليم، الدكتور طارق شوقي، لم يجد بُداً من الدخول على الخط بنفسه، فقرر اختصار الاستراتيجية الوطنية للتعليم في 35 منشوراً مدعماً بالصور التوضيحية، ونشرها على حسابه الخاص (المفتوح) على فيسبوك وحسناً فعل ربما يسهم ذلك بالفعل في بعض التوازن.

 

من يمنح نفسه بعض الوقت لقراءة الملامح العامة للاستراتيجية الوطنية للتعليم، سيكتشف بيسر أن اللغة الإنجليزية، هي مادة أساسية من مرحلة الروضة "الحضانة"! وطوال مراحل التعليم المدرسي، كما ستراعي المناهج "وضع مصطلحات علمية ورياضية لتدريس اللغة الإنجليزية من KG1 حتى الصف السادس الإبتدائي" وأن التلاميذ ستتاح لهم تعلم لغات أخرى في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

 

كما أن تدريس مادتي العلوم والرياضيات باللغة العربية خلال المرحلة الابتدائية، (أرى) أنه من أفضل القرارات، حيث من الضروري أن تتشكل العقلية العلمية لدى التلاميذ بلغة بلادهم خلال  السنوات الأولى، وبعد ذلك سيكملون نفس المادتين لمدة 6 سنوات مدرسية كاملة باللغة الإنجليزية، فما الضرر في ذلك؟

 

طارق شوقي أكد في جميع تصريحاته: "الاستراتيجية ليست تعريباً" وإنما نظام جديد بكل أركانه يجعل مدارسنا الحكومية المجانية على مستوى عالمي ولا يدفعنا لأنواع أخرى من التعليم إضطررنا إليها عندما كان التعليم الحكومي المجاني لا يقدم الجودة المرجوة.

 

إن أعظم الدول في الخدمات التعليمية وكافة البلاد التي تحرص على هويتها الوطنية ومكافحة التغريب لشعوبها، تكثف ذلك النهج في مدارسها خلال مرحلة التعليم الأساسي وأعظم علماء مصر عبر التاريخ الحديث والمعاصر والقديم بطبيعة الحال لم يتعلموا في المدرسة بغير لغة بلادهم، فهل كان يدرس أحمد زويل مثلاً أو مصطفى مشرفة أو غيرهم من علمائنا ونوابغنا بغير اللغة العربية في المدرسة؟

 

أما قرار إلغاء "المدارس التجريبية" فهو أمر منطقي، فكل "تجريبي" لابد أن يؤقت بزمن، تنتهي معه مرحلة التجريب، وهو ماقررته الاستراتيجية الوطنية للتعليم، وبالتأكيد خضعت التجربة للتقييم، وتم استخلاص إيجابياتها للاستفادة منها في الاستراتيجية الدائمة!

 

للتعليم غايات كبرى لاينبغي أن تتوه وسط زحام التفاصيل، وللأسف فإن استئثار النقاش بنقطتي اللغة الإنجليزية والمدارس التجريبية، طغى على فرص التعريف بالفلسفة العامة والعناوين الكبرى للاستراتيجية الوطنية للتعليم وجوهرها والتي تتلخص في: "الجمع بين الهوية الوطنية واحترام الخصوصية الثقافية، والأخذ بالاتجاهات العالمية فى الجودة، والتوفيق بين الإتاحة المجانية ومتطلبات الجودة، والتوازن بين تحديث المناهج وبين استدعاء التراث ومراجعته إحياءً ونقدًا ومساءلةً وتحليلاً ودراسةً وبحثًا.

 

وتقديم أنشطة متعددة تعمق ثقافات المواطنة والانتماء والثقة بالنفس دون إغفال لأهمية قبول الآخر، وربط التعليم بسوق العمل المحلى والعربي والدولي، هذا فضلاً عن مراعاة التحديات التي تواجه المجتمع من: النمو السكانى، والتسرب من التعليم، ومعدلات الأمية والفقر، والنمط الطبقى للمجتمع" وكلها ملفات كانت ومازالت تستحق المزيد من الجهد التوعوي في مختلف وسائل الإعلام، وربما على الدولة أن تتحرك بنفسها وبقوة أكبر لتشرح للناس.

 

الملاحظة الأساسية هنا هي المشهد الغيبوبي لوسائل الإعلام، فهي إما مدافع عن الوزير والوزارة والاستراتيجية هكذا (دون شرح أو توضيح أو مناقشة جادة)، وإما ناقمة متهكمة ساخطة تتباكى على اللغة الإنجليزية التي سيضيع مستقبلها ويضيع معها أبنائنا، وإما مجرد ناقل لوجهة نظر هذا وذاك دون إبحار عميق وجاد ودون إتاحة الفرصة لعلماء حقيقيين للتوضيح والمناقشة.

 

السيدات والسادة، الاستراتيجية الوطنية للتعليم كشفتنا، كشفت جهلنا وكشفت سطحيتنا، وتبعيتنا للصخب والصوت العالي، وكشفت من قبل ومن بعد حاجتنا التاريخية لها!

 

أشرف جابر

رئيس تحرير

Business Review

دبى

تعليقات Facebook