خدمات

العِلمُ تحت الكنبة

الأربعاء 19/سبتمبر/2018 - 03:04 م
 

العلمُ دقةٌ وأمانةٌ وحقائقٌ ومنهجٌ ونتائجٌ منشورةٌ في دورياتٍ علميةٍ عالميةٍ محترمةٍ. عندنا الدنيا مقلوبةً، بدلاً من الكَدِ والتعبِ غَلبت الفبركةُ وتكبيرُ الدماغِ، وبدلاً من النشرِ العلمي المحترمِ أصبحَ النشرُ في وسائل الإعلام من صحفٍ وفضائياتٍ!! الطالبُ الفلاني اخترعَ سيارةً تعملُ بالماءِ أو غواصةً تطيرُ، وكَرَمَه المحافظُ؛ الطالبةُ العلانية اخترعَت دواءً لأمراضٍ عويصةٍ فاحتفَت بها وزارةُ التربيةِ والتعليمِ أمام الكاميرات وفِي الصحف المكتوبةِ والإلكترونيةِ!! المصري جبار والعيبُ في النظام التعليمي الذي أفلتت من براثنه هذه الفتوحات العبقرية!!

 

الجامعاتُ ومراكزُ الأبحاثِ ليست ببعيدةٍ عن جو الهمبكة والأونطة. مشروعُ تخرجٍ يحصدُ التهليلَ لأنه فازَ في مسابقاتٍ عالميةٍ. ماشي قد يكون فازَ فعلًا، لكن في إطارِ تشجيعِ الطلابِ على مواصلةِ الكدِ، لا باعتباره فتحًا كاسحًا ترتجُ له وسائلُ الإعلامِ ومواقعُ الردح اللاجتماعي التي تتصيدُ السقطةَ واللقطةَ لتشغيلِ أسطواناتِ البذاءاتِ والتباكي. أما على مستوى الدراسات العليا فالحالُ مُحزنًا. الطلابُ أفواجًا على موادٍ بعينِها لأعضاءِ هيئاتِ تدريسٍ بعينِهم معروفٌ عنهم طيبةِ القلبِ وتوزيعِ أعلى الدرجاتِ بعض النظرِ عن نوعيةِ الأجوبةِ في ورقةِ الامتحانِ!! طبعًا تسجيلاتُ الدراسات العليا مُنهمرةً على أعضاءِ هيئاتِ التدريسِ الذين يمنحون درجاتِ الماجستير والدكتوراة بأقلِ مجهودٍ!! وطبيعي أن يدعي أعضاءُ هيئاتِ التدريسِ هؤلاء أنهم مدارسٌ علميةٌ تستحقُ التكريمَ والإشادةَ والمناصبَ!! مدارسٌ، نعم، لكن أليست في التسطيحِ ودهان الهوا؟

 

هذا الجو اللاعلمي، نتاجُ مجتمعٍ ودولةٍ لا يعترفان بالجديةِ والمنهجِ في الحياةِ عمومًا وفِي العلمِ تحديدًا؛ هات م الأخر هو شعارُ اليومِ ومن المؤكدِ غدًا. طلابٌ يتوهمون العبقريةَ وهم بعد يفكون الخطَ، أولياءُ أمورٍ يُحرضون ويساعدون أبنائهم على الغشِ الجماعي، دراساتٌ عليا  تَغلُبُ عليها السطحيةُ والدرجاتُ العلميةُ الفشنك، وكَمٌ من أعضاءِ هيئاتِ تدريسِ بالجامعاتِ يُكَوِشون على التسجيلاتِ للدرجاتِ العلميةِ بعروضِ الإنجازِ السريع متصدرين مشهدِ الإنجازِ العلمي والفيسبوكي!! والإعلامُ يروجُ لكلِ هذا اللاعلمِ.

 

ولما كان الشئُ بالشئِ دائمًا يُذَكِرُ، فإن وجوهًا بعينِها تهيمنُ على كل لجانِ وزارةِ التعليم العالي والمجلسِ الأعلى للجامعاتِ.  ألا يجعل ذلك  من الجمودِ والتفلسُفِ والشلليةِ المتوارثةِ نهجًا وعنوانًا غالبًا للوزارةِ المسؤولةِ عن إعدادِ مناخٍ وعقولٍ البحثِ العلمي في مصر؟!

 

بالذمة أليس هذا الهلسُ اللاعلمي كاشفًا؟ هل الجينات معيوبةً؟ هل العلمُ  متصدرًا مناضدِ الإهتمامِ؟

 

اللهم لوجهِك نكتبُ علمًا بأن السكوتَ أجلبُ للراحةِ والجوائزِ،

* كاتب المقال

ا. د/ حسام محمود أحمد فهمي - أستاذ هندسة الحاسبات بجامعة عين شمس

Prof. Hossam M.A. Fahmy

تعليقات Facebook