خدمات

.. في التاريخ

السبت 24/أغسطس/2019 - 01:27 م
 
الأعلى، ‏الأكبر ، صيغُ تفضيلٍ شاعَت دون أن تستندَ في أحيانٍ كثيرةٍ على حقيقةٍ. الفيلمُ الفلاني حققَ أكبرَ إيراداتٍ في التاريخ. لو عَلَمنا أن تذكرةَ أفخرِ دارِ سينما كانت جنيه واحد عام ١٩٨٠، بينما سعرُها الأن ٨٠ جنيه، لتَيقَنا من قدرِ المُخادعةِ بعد أن زادَ سعرُ التذكرةِ ثمانين ضِعفًا. مائة ألف مشاهد عام ١٩٨٠ لن يتعدى إيرادُ تذاكرهم ١٠٠،٠٠٠ جنيه، بينما الآن ١،٢٥٠ مشاهدًا فقط يحققون نفسَ الإيراد!! أي أن عددًا أقلَ من المشاهدين على الرغمِ من زيادةِ عددِ السكانِ يحققُ نفسَ الإيرادِ!! ولو كانت التذكرةُ قبل التعويمِ بعشرين جنيها فإن ١٠٠،٠٠٠ مشاهدًا كانوا يحققون إيرادًا قدرُه ٢ مليون جنيه، وهو ما يحققه الآن عددُ ٢٥،٠٠٠ مشاهد فقط!!


المبالغةُ إذن فيها من الاِستخفافِ الشئُ الكثيرُ. لحسابِ الإيرادِ حقًا لا بدَ من اِعتبارِ انخفاضِ سعرِ العملةِ مع الزمنِ إما بنبستِها للدولارِ أو للذهبِ. أما مُجردُ الحسابِ بأرقامٍ مطلقةٍ فلا معنى له، بل أنه من العَيبِ أن يكونَ نهجَ تفكيرٍ. ولو كانَ عددُ المشاهدين هو المعيارُ، لايرادَ التذاكرِ، فإنه لا بدَ أيضًا من نسبتِه لعددِ السكانِ؛ مائة ألف مشاهد من ٤٠ مليون مواطن عام ١٩٨٠ غير مائة ألف مشاهد من ١٠٠ مليون مواطن اليوم. مائة ألف مشاهد عام ١٩٨٠ تناظر ٢٥٠،٠٠٠ مشاهد اليوم، أو بمعنى آخر لو شاهد الفيلم ١٠٠،٠٠٠ مشاهد اليوم فإن ذلك يناظر ٤٠،٠٠٠ مشاهد فقط عام ١٩٨٠. 


المواطنُ واعٍ ومُدركٌ، ينتقي مصادرَ المعلوماتِ ويصنُفها، يستبعدُ ويقاطعُ المفبركاتية. لكن هناك من لا يُقدِرون ذكاءه ويستسهِلون باعتبارِهم خبراءٌ في دهان الهوا. اللافتُ أن الأكبرَ والأعلى في التاريخ أصبحَ أسلوبًا لعددٍ كبيرٍ من المسؤولين ووسائلِ الإعلام. إكتشافُ الحقيقةِ ليسَ بالعسيرِ في زمن الإنترنت الذي لا يَنسى ولا يُخدَعُ، هل يَعون؟ 

لست ضد السينما ولا ضد أي إنجازٍ حقيقي…

اُتركوا التاريخَ في حالِه، الكبير كبير ...

اللهم اللهم لوجهِك نكتبُ علمًا بأن السكوتَ أجلبُ للراحةِ والجوائزِ،،

ا. د/ حسام محمود أحمد فهمي

أستاذ هندسة الحاسبات بجامعة عين شمس

تعليقات Facebook