خدمات

حرب أكتوبر وتغيير طرق التفكير

الأحد 06/أكتوبر/2019 - 03:45 م
 

"تواجه مصر المعاصرة تحديات كبرى وتحمل على أكتافها ميراثا طويلا من الهموم التي تعيق نهضتها بعد عصور طويلة من التراجع، وتجد أمامها عقبات كبرى تحول دون انطلاقها، عقبات حملتها معها من الماضي، وعقبات ولدتها صراعات دولية فرضتها عليها القوى الاستعمارية، وعقبات نُسأل عنها نحن بطريقتنا في الحياة وطريقتنا في التفكير.

وأتصور أن التحديات التي تواجه مصر تحديات كبرى، مثل: الفقر، والإرهاب، والجهل، والتخلف، والفساد، وروح السلبية واللامبالاة، البيروقراطية والروتين، والتدخلات الاقتصادية المفتعلة والاحتكارية والإغراقية، وثقافة الاستثناءات، والتآمر الذي تقوم به القوى الداعمة للإرهاب العالمي، وحروب الجيل الرابع، إلخ.

تلك التحديات نحن قادرون على مواجهتها إذا استعدنا اللحظات الاستثنائية التاريخية التي واجهنا فيها تحديات كبرى وانتصرنا عليها، ومن أهم تلك اللحظات لحظة حرب أكتوبر التي سبقتها إرادة بصيرة، وسبقها تخطيط استراتيجي، اقترن بهما قدرة على التنفيذ على الأرض. ولا يقل عن ذلك إظهار حرب 6 أكتوبر لقدرتنا على تلافي كل عيوبنا التاريخية في التفكير.

 ومن أكبر تلك العيوب أننا لا نعرف حدودنا ولا قدراتنا في حجمها الطبيعي.  وهذا جزء من طرقنا القديمة في التفكير التي لابد من نسفها من أجل تطوير العقل ومواجهة تحديات الواقع. وهذه الآفة العقلية ضرتنا ضررا بالغا عبر التاريخ، وعلى سبيل المثال في حرب اليمن، وحرب 1967 م، فقد رأينا تمجيدا مبالغا فيه وادعاءات قوة لا حدود لها، وعدم حساب قدرات العدو وقدراته الحقيقية حسابا دقيقا؛ فكانت النتيجة ما يعلمها الجميع! لكن عقب ذلك خفوت الصوت وصعود العقل والحساب الدقيق للقدرات، فكانت حرب الاستنزاف بكل بطولاتها وحرب أكتوبر بكل أمجادها التي استهدفت انتصار الإرادة ومواجهة التحدي؛ ذلك التحدي الذي قارب المستحيل في تقدير إسرائيل والقوى العظمى بكل ما لديها من معلومات وقدرة على تقدير الموقف. وكان أحد أسرار ذلك هي إعادة بناء الضابط والجندي المصري.

وأود هنا أن أتوقف على الفرق بين طريقتين في التفكير في حرب 67 وحرب 73، في الحرب الأولى كان هناك تفكير قائم على تضخم الذات وسوء تقدير الموقف وتجاوز الهدف لحدود القدرات وضعف المعلومات عن الخصم وطريقته في التفكير، وفي الحرب الثانية كان هناك تفكير قائم على العقلانية في معرفة الذات وحساب القدرات والتخطيط الاستراتيجي وتحديد الهدف في ضوء القدرات والمعلومات الدقيقة عن النفس وعن الخصم والمعرفة بطريقته في التفكير. وفي الحالتين كانت هناك إرادة، لكن الإرادة الأولى كانت مؤسسة على العاطفة الجوفاء والصوت العالي، والإرادة الثانية كانت مؤسسة على التخطيط العقلاني وحساب القدرات واستعداد وطن للتضحية إلى ما لا نهاية حتى يستعيد الأرض ويستعيد الكرامة من خلال التفكير العقلاني والمشقة. 

وكان العقل يقتضي في ضوء قدراتنا الرد بهجمات نوعية وليس حربا شاملة. ثم كانت حرب 1973م بكل ما فيها من عقلانية في التخطيط وحساب القدرات الفعلية على الأرض والخداع الاستراتيجي. وما الفرق بين 67 و73 إلا فرق في طريقة التفكير والقدرة على ترجمته إلى واقع فعلي على الأرض. والتنفيذ مسار صعب وهو التحدي الحقيقي لإعادة بناء دولة قوية بالمعنى الحقيقي وخوض غمار التنمية الشاملة، كما تقول القيادة السياسية.

  ولقد توقف الكثيرون عند دروس حرب أكتوبر، وتوقف الكثيرون عند التحديات المعاصرة، لكن تظل الجسور بين دروس الإرادة في حرب أكتوبر وتحديات الواقع غير ممتدة. ومن أهم هذه الدروس:

 الدرس الأول: فن التحدي والاستجابة

يمكن فهم لحظة 67، ولحظة 73، في تطور حياة مصر، في ضوء نظرية أرنولد تُوينبي "التحدِّي والاستجابة"، ونظرية كارل يونج Carl Jung في علم النفس السلوكي.

فالحضارات مثل الأفراد، إذا واجهت صدمات أو تحديات، تتنوع استجابتها بين الاستجابات السلبية والاستجابات الإيجابية. ومن الاستجابات السلبية الارتداد إلى الماضي البعيد للاحتماء به والتغني به ومحاولة استعادته لتعويض الفشل في مواجهة تحديات الواقع بطرق معاصرة. أما الاستجابة الإيجابية فتتمثل في امتصاص الصدمة والإقرار بفشلنا، ثمَّ بذل الوسع من أجل مواجهتها والتغلُّب عليها، بطريقة عقلانية ديناميكيَّة، تعتمد على معرفة قدرات الذات وحجم التحدي ومحاولة التغيير بالتخطيط المدروس.

والاستجابة الإيجابية لا تتحقق بدون النخبة العاقلة المحدودة من القادة، وعندما توجد مثل هذه النخبة وتستطيع التأثير في الجمهور، فإن هذا الجمهور يستجيب لها وينقاد وراءها ويقلدها بواسطة المُحاكاة العقلية الآليَّة. فإذا كانت النخبة تقدمية وخلاقة فإن الجماهير تسير معها إلى الأمام والمستقبل. أما إذا كانت النخبة رجعية، فإن مُحاكاة الجمهور لها يتحول إلى حركةٍ عقلية ماضوية تتجه إلى مُحاكاةِ القُدَماء. وربما من أهم أمراضنا المزمنة أننا نصر على كل الحلول الفاشلة الآتية من الماضي، مثلما يظهر في استجابة قطاع الماضويين بكل تياراتهم للتحدي بالنكوص إلى الوراء.

وهذا من وجهة نظرنا ما تنطبق عليه نظرية توينبي عن الاستجابة السلبية بالنكوص إلى الماضي. فكل الحركات الماضوية ذات استجابة استاتيكية جامدة منغلقة في ردها على التحدي. ونظرا لفشها الفكري الذريع في نجاح نموذجها، تلجأ إلى العنف والإرهاب لفرض هذا النموذج.

ولا تنجح الاستجابة الإيجابية بدون الوصول إلى "الوسيلة الذهبية" لمواجهة التحدي بنجاح، ولا يمكن الوصول إلى هذه الوسيلة بدون المحاولة والخطأ مرات عديدة، لكن عند العثور عليها يبدأ الانطلاق.

وطريقة عمل العقل في حرب 6 أكتوبر تفرض علينا اللجوء إلى النوع الآخر من الاستجابة الإيجابية على التحديات المعاصرة.  لقد كان التحدي بعد 67 كبيرا يفوق قدراتنا، لكن الاستجابة لهذا التحدي كانت رائعة، لأننا لم نستكن ونحتمي بالماضي المجيد، بل صنعنا واقعا جديدا، بالإرادة العاقلة التي يحركها الدافع الحيوي، والتخطيط الاستراتيجي، والقدرة على التنفيذ على الأرض، وتلاشي العيوب التاريخية.

علاوة على ذلك لابد من التأكيد على أن من أهم دروس أكتوبر أن الاستجابة الإيجابية لا تنجح بدون ظهور وتكوين نخبة جديدة بفضل عقلية السادات الذي قضى على مراكز القوى؛ حيث لم تكن إعادة البناء ممكنة بدون الإطاحة بمراكز القوي. ونجح في اكتشاف نخبة جديدة من القادة العقلاء، استجابت لهم الأغلبية عن طريق المُحاكاة الآليَّة، وحدوث نوع من انقياد الوعي الجمعي لمُحاكاة الطليعة العاقلة. لكن للأسف توقفت هذه المحاكاة لتتحول إلى عقلية ماضوية تعمل آليات تفكيرها على مُحاكاةِ أقلية ماضوية، ومن أسف كان السبب هذه المرة هو أيضا السادات نفسه! ".

تعليقات Facebook