محاذير استيراد السيارات الكهربائية المستعملة

الأربعاء 11/مارس/2020 - 11:12 ص
 


تتجه الحكومة المصرية بثبات نحو استخدام السيارات الصديقة للبيئة سواء في وسائل النقل الخاص أو العام. ومن أبرز إجراءاتها في هذا التوجه هو قرار اعفاء استيراد السيارات الكهربائية الجديدة والمستعملة من الرسوم الجمركية. ونظرا لارتفاع سعر السيارات الكهربائية الجديدة بالمقارنة بمثيلاتها من السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، لذا ظهرت بعض التوجهات بالتوسع في استيراد السيارات الكهربائية المستعملة. وبالفعل سمحت الحكومة باستيراد السيارات الكهربائية المستعملة لموديلات 3 أعوام سابقة بإعفاء جمركي كامل.

 
سيارات كهربائية جديدة متوقفة في موقف للسيارات تحت جسر في ووهان بمقاطعة هوبى بوسط الصين. 
السيارات الكهربائية مميزه فعلا في الحفاظ على البيئة ولكن هناك سؤال بيئي لم تتم الإجابة عليه في خضم هذا الحماس للسيارات الكهربائية: ما الذي سوف نفعله ببطاريات الليثيوم-أيون المستهلكة والتي يبلغ وزنها في بعض السيارات حوالي نصف طن؟ 
بطاريات الليثيوم-أيون Lithium-ion هي البطاريات المستخدمة في معظم السيارات الكهربائية، ويبلغ ثمنها حوالى ثلث ثمن السيارة. تعتمد تلك البطاريات على معدن الليثيوم بشكل أساسي في مكوناتها، بالإضافة إلى خليط من معادن الكوبالت والمنغنيز والنيكل والجرافيت. الكوبالت يعتبر مادة مسرطنة محتملة والليثيوم معدن خطير لأنّه شديد التفاعل، ففي حالة تعرض البطارية للتلف بسبب ما أو تم شحنها بجهد أعلى من اللازم، فإن ذلك قد يؤدى إلى اشتعالها أو انفجارها في بعض الحالات. ويتراوح العمر الافتراضي لتلك الأنواع من البطاريات من 5 إلى 6 سنوات.  وذلك يعنى انه بعد سنتين من استخدام السيارات المستوردة المستعملة (ذات العمر ثلاث مثلا) سيتوجب علينا استبدال البطارية المستهلكة والتخلص منها.
مازالت شركات صناعة السيارات الكهربائية العالمية تعمل مع شركات إعادة التدوير والشركات المتخصصة في مجال التكنولوجيا على حل مسألة كيفية التعامل مع بطاريات الليثيوم-أيون عندما تستهلك أو تتلف. حيث يتجاوز عدد السيارات الكهربائية حاليا على مستوى العالم حوالي 2 مليون سيارة. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أنه سيكون هناك 140 مليون سيارة كهربائية على مستوى العالم بحلول عام 2030 إذا حققت البلدان أهداف اتفاقية باريس للمناخ. وهذه الطفرة في عدد السيارات الكهربائية سيتسبب في ترك 11 مليون طن من بطاريات الليثيوم أيون المستهلكة في حاجة إلى إعادة التدوير من الآن وحتى عام 2030.
وتفرض قوانين الاتحاد الأوروبي حاليا، على مصنعي تلك الأنواع من البطاريات، تمويل تكاليف جمع ومعالجة وإعادة تدوير جميع البطاريات التي تم بيعها، كما تشجع على إقامة شراكات بين مصنعي السيارات الكهربائية وشركات إعادة التدوير للاستثمار في هذا المجال. فمثلا قامت احدى الشركات (شركة أوميكور) باستثمار 25 مليون يورو في مصنع رائد في مدينة أنتويرب في بلجيكا لإعادة تدوير بطاريات الليثيوم-أيون، وقامت بعقد صفقات مع كل من شركتي تسلا وتويوتا لاستخدام طريقة الصهر لاستعادة بعض المعادن مثل الكوبالت والنيكل.
ولكن لا يمكن لطريقة الصهر هذه استعادة الليثيوم الحيوي مباشرةً، والذي يظل على شكل منتج مختلط مع عناصر أخرى، وفصله يحتاج لعمليات إضافية عالية التكلفة. هذا يعني أنه على الرغم من أن بطاريات السيارات الكهربائية حاليا قد يتم نقلها إلى منشآت إعادة التدوير، فلا يوجد ما يضمن الفصل الكامل لعنصر الليثيوم.
في حالة عدم توفر الإمكانيات المادية والتكنولوجية للتدوير الأمثل، كما هو الحال في مصر، فأنه مع استيراد سيارات كهربائية وخصوصا المستعملة والتي قد قاربت بطارياتها على التلف، يكون الحديث هنا عن أطنان من بطاريات الليثيوم التالفة التي يجب تدويرها أو التخلص منها في القريب العاجل. 
ولا يمكننا في مصر، كما في دول الاتحاد الأوربي، مثلا، إلزام منتجي البطاريات أو حتى مصنعي السيارات الكهربائية بجمع وإعادة تدوير بطاريات الليثيوم-أيون المستهلكة، وخصوصا لسيارات مستوردة مستعملة. كما انه لا يمكن ترك أو تخزين البطاريات في مراكز الخدمة أو الورش. وكذلك لا يعد دفن تلك البطاريات في الأرض خيارًا مثاليا بيئيا. اذن السماح باستيراد السيارات الكهربائية المستعملة يتركنا مع مشكلة خطيرة للتخلص من بطاريات الليثيوم-أيون.
الحل هو خطة عاجلة من الحكومة لتدوير تلك الأنواع من البطاريات باستثمار يوازى استثمارات تصنيع السيارات الكهربائية في مصر. وحتى حدوث ذلك يجب إلزام وكلاء منتجو السيارات الكهربائية المستوردة الجديدة بعملية الدوير (اما محليا أو إعادة تصديرها للشركات الموردة لتلك السيارات أو البطاريات)، كما يجب إعادة التفكير في السماح باستيراد السيارات الكهربائية المستعملة.

كاتب المقال 
أ.د. موسى سعيد
أستاذ هندسة السيارات 
كلية الهندسة جامعة عين شمس

تعليقات Facebook