جدل الماء والسياسة.. ثمن العطش!

الأربعاء 03/يونيو/2020 - 02:39 ص
 

نشبت معركة قبل 4500 عام بين مدينتي (لكش) و(أمة)، في منطقة بين النهرين بالعراق، حيث ذبح إياناتم حاكم لكش60 جنديا من أُمة، بسبب محاولتها سرقة المياه من لكش والسيطرة عليها، استمرت المعركة إلى أن توصلتا لمعاهدة أنهت الحرب ونظمت أنصبتهما من المياه دون جور، وتم تدوين ذلك في لوح مسماري، مازال محفوظا بمتحف اللوفر، يحكي قصة النزاع على الماء بين الدولتين/المدينتين وصولا إلى الاتفاق.

وفي عام 1992، كادت المجر وتشيكوسلوفاكيا السابقة أن تدخلا في مواجهة عسكرية، بسبب التنازع على نهر الدانوب، ومازالت تركيا تمارس الهيمنة على الفرات ودجلة، عن طريق مشروع سدود جنوب الأناضول، حارمة سوريا من 40% من مياهها والعراق من 70%، بعد أن أسهمت أنقرة في تدمير الدولتين بجماعات الإرهاب مثل داعش وغيرها.

تحتل قضية المياه أهمية قصوى في استراتيجيات دول العالم، نظرا لخطورتها وتأثيراتها، فالماء هو أهم عناصر الأمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأي دولة، خاصة أن تقارير الأمم المتحدة تحذر من أن العالم سيعاني نقصا في المياه بنسبة ٤٠٪، خلال ١٥ عاما المقبلة، ما يؤدي إلى نتائج وخيمة، كالفشل في إنتاج المحاصيل، وتوقف الصناعة وتزايد الفقر والأوبئة، ونشوب نزاعات حول الماء، الاستنتاج نفسه توصلت إليه كارين بايبر الأستاذة بجامعة ميسوري الأمريكية التي درست نزاعات المياه بقارات العالم، وأصدرتها في كتاب "ثمن العطش: ندرة المياه والفوضى القادمة"؛ فالطلب العالمي على المياه سيزيد ٥٥٪ بحلول ٢٠٥٠، ويزيد الأمر تفاقما ضغوط مؤسسات التمويل الدولية على الدول لخصخصة المياه باعتبارها سلعة، وقامت الشركات المتعدية الجنسية بالتحكم في تعبئة المياة وتوزيعها في زجاجات، بل إن موارد المياه قد تصبح أهدافا ثمينة للجماعات الإجرامية، يصور أحد أفلام جيمس بوند، "قدر من العزاء" (كوانتم أوف سولاس) مواجهة مع منظمة شديدة الخطورة تسعى لفرض هيمنتها على العالم، عن طريق السيطرة على موارد المياه.

تتشارك 148 دولة أنهارا عابرة للحدود، تمثل بؤرا قابلة للاشتعال أو التعاون، في حوض النيل أسهم النهج الإثيوبي، في مفاوضات سد النهضة، مع مصر والسودان، برفع منسوب التوتر، إذ تواصل التعنت والمراوغة، تتعامل مع المفاوضات كبحار مخمور في ملهى ليلي، كأن النيل الأزرق نهر داخلي، تصر على التنكر لما تم التوافق عليه في واشنطن، بعدما تفلتت من توقيع الاتفاق، بل إن سيليشي بيكيلي وزير المياه قال أمام مؤتمر للأحزاب الإثيوبية- لحشد الجماهير خلف الحكومة في قضية السد- إن بلاده لا تقبل بالحقوق التاريخية لمصر في النيل، ولم يفته أن يؤلب بقية دول الحوض أيضا، هكذا تطلق أديس أبابا ضربة البداية في تحويل حوض النيل لساحة توتر، خاصة أن أراضي شرق السودان شهدت عدوانا من العصابات المدعومة من الجيش الإثيوبي، بما يعكس أطماع إثيوبيا في أراضي السودان ومياه مصر التي تعتمد على النيل في تلبية 97% من احتياجاتها، تطبق إثيوبيا (مبدأ هارمون) بمعنى الاستخدام غير المقيد لمياه النهر، وتقدم تفسيرا مختلا لمبدأ الاستخدام (المنصف والمعقول) للأنهار المشتركة، برغم أن المبدأ نفسه مقيد، ولا يسمح بالاستغلال غير المقيد للمياه!، هكذا تخالف إثيوبيا قوانين المياه الدولية، وما تنطوي عليه من قواعد ومبادئ والزامات، وتقاطعات ذلك مع اتفاقيات 1902 و1959 وإعلان المبادئ عام 2015، وهي تغمض النظر عن قواعد هلسنكي لتفسير حقوق المياه بين الدول، وللخبير السوداني العالمي الدكتور أحمد المفتي عضو اللجنة الفنية لسد النهضة (المستقيل) دراسات تدحض الحجج الإثيوبية بهذا الشأن، أما كعب أخيل السد فهو التكتم الإثيوبي على آثاره البيئية والاجتماعية والاقتصادية الخطيرة على دولتي المصب، ناهيك عن إمكانية انهياره.

هنا نقفل القوس، لنقول إن النيل يجرى لمصر قبل آلاف آلاف السنين، وحقوقها المكتسبة راسخة وفقا لأي شريعة أو قانون، وإن كانت القاهرة تعاني إجهادا مائيا شديدا، فإنها تفهمت حاجة أديس أبابا للتنمية والكهرباء ووافقت على بناء السد، أما سياسة أفقر جارك التي تتبعها إثيوبيا مع دولتي المصب فلن تزيد الموقف إلا تصعيدا، برغم ذلك يظل الحل القائم على المنفعة المتبادلة ممكنا، وفقا لمبدأ عدم الإضرار. وإذا كانت لكش وأمة استطاعتا الوصول لاتفاق، فالمنطقي أن تتمكن الدول الثلاث من ذلك، فلا مشكلة لنا مع رفاه الشعب الإثيوبي وتقدمه، لكننا لن نقبل بأي كيفية الموت عطشا مع سبق الإصرار والترصد.

تعليقات Facebook