الجمعة 09 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
قلم وقلم

البحث العلمي في مصر ..إلي اين؟

الجمعة 27/يناير/2017 - 04:52 ص

يبلغ عدد المراكز العلمية البحثية في مصر ما يقرب من 387 مركزا و وحدة بحث يشغلها 125 الف مصري يحملون لقب باحث،  موزعة على وزارة البحث العلمي المنضمة حاليا لحقيبة التعليم العالي، و مراكز بحث و دراسات بالوزارات المختلفة، و الجامعات، و الجمعيات الاهلية. نعم ان الإنفاق على البحث العلمي بهذه المراكز ارتفع في مصر بعد ثورة يناير.. حتى وصل الى حوالى 0٫8%  من الدخل القومي عام 2015، 

وتقول الحكومة الحالية إنها ستصل إلى 1% في موازنة 2017. و لكن تكتمل هذه الصورة للإنفاق على البحث العلمي، إذا علمنا أن مخصصات البحث العلمي توزع بين 3 بنود.. الأول هو بند الأجور ويلتهم وحده حوالى 75% من تلك المخصصات، والبند الثاني هو المصروفات الإدارية يخصص لها في الغالب 15% من إجمالي المخصصات، وهكذا لا يبقى للبحث العلمي سوى حوالى 10% من المخصصات للأبحاث.. 

ومعنى ذلك أن ما تم إنفاقه على البحث العلمي عام 2015 بلغ حوالى 130 مليون جنيه.. فمعنى ذلك أن متوسط مخصصات البحث لكل باحث يبلغ 1040 جنيهًا في العام أي حوالى 285 قرشًا كل يوم. و لكن اذا طبقنا القاعدة الذهبية التي تقول إن كل دولار يتم إنفاقه على البحث العلمي الحقيقي يحقق عائدًا قدره 5 دولارات، نجد ان في مصر ليس لهذه القاعدة وجودًا، بينما هي موجودة في كل الدول التي تشهد بحثًا علميًا حقيقيًا..  بيد انه في عام 2015 لم يحقق علماء مصر وباحثيها سوى  30 مليونا و 500 الف جنية  من عائدات بيع أبحاثهم للشركات العامة والخاصة حيث بلغ متوسط ما حققه كل عالم وباحث في مصر  بلغ 244 جنيهًا.. أي بمتوسط إنتاجية - إذا جاز التعبير - للعالم والباحث بلغت 67 قرشًا في اليوم .

و على الرغم من ذلك فان الصورة ليست كاملة الإظلام, فهناك شذرات مضيئة في هذا الركن أو ذاك, لعلماء يعملون بموازاة ما ينجزه الغرب, والشرق المتقدم من علوم, لكنها تظل شذرات مغتربة. لذلك فان   نجاح الدور البحثي و الابتكاري  لمؤسساتنا الوطنية بات مرهونا  بقدرتها  على المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة  من خلال  احراز قدر من  التزاوج مع برامج منظمات الأعمال الصناعية والخدمية و حل مشكلاتها و تعزيز قدراتها التنافسية، حبذا يتم ذلك  من خلال تفعيل استراتيجية حقيقية لربط  البحث العلمي  بالقضايا  المعرفية الأكثر إلحاحاً  في الميادين الاقتصادية  و البيئية  و الاجتماعية  و التكنولوجية، و جميعها مجالات رحبة تحتمل كماً هائلاً من القضايا والظواهر، التي في حاجة ماسة للدراسة والاستقراء والتحليل العلمي، بسبب ارتباطها العضوي باحتياجات المجتمع و ترقية المعرفة الانسانية.

ان الاشكالات و المعايير و الاستراتيجيات المطلوبة لزيادة الانتاجية من هذه البحوث العملية  و الابتكارات و براءات الاختراع  باتت  أمرا غاية في الأهمية، حيث  يتطلب ذلك إعادة النظر في البيئات الحاضنة لها و استحداث آليات لتقويم جودة ادائها ما يجعلها ذات قدرة على تكوين ما يسمى بقوة العقل "Thinking Force " و التي تساهم في دعم اقتصاد مجتمع المعرفة "Knowledge- Based Economy " و  تحقيق الميزة النسبية، و ايضا إيجاد منظومة تحرك ديناميكية لإعداد الأجيال القادمة  وإنجاز إصلاحات جذرية في بيئات التمكين الحاضنة وتنمية الأجيال لتأسيس نهضة حديثة  في مجال البحث العلمي  تمكن الطاقات المصرية من الولوج إلى مجتمع المعرفة، في ثلاثية : المعرفة، والحرية، والتنمية. ولأن المسالة ترتبط بمصير أمّة بأكملها، فإن عملية الإقلاع إلى مراتب الصدارة في المجالات المعرفية تحتاج إلى جهد مشترك، قوامه تعبئة الطاقات المختلفة ورصد الموارد الضرورية لردم الفجوة للحاق بالركب العالمي المتزايد في هذا المجال.

ان رسم صورة واقعية لأوضاع مؤسساتنا العاملة في مجال البحث و التطوير، بالإشارة الى درجة إنتاج المعرفة و ما وضعته في رصيد المعرفة البشرية، و ايضا قراءة مؤشرات المساهمة لها  في مجال انتاج المعرفة العلمية و استخداماتها لتلبية متطلبات التنمية، بات امرا ضروريا من الناحية القومية.  ذلك لان مفهوم التنافسية لأى دولة أصبح يرتبط برصيدها المعرفي الذى يحقق  مفهوم الميزة النسبية القائمة على التنافسية المصنوعة و المكتسبة بفضل التقدم العلمي و ليس على الموروثات من موارد طبيعية  و مادية، لان معيار التميز اصبح يستمد قوته من الرصيد  المعرفي القومي National Information Reserve بدلا من الدخل المحلى الإجمالي Gross Domestic Product (GDP)  او الدخل القومي الإجمالي Gross National Product   (GNP).

حمى الله مصر و مؤسساتها 

·         * كاتب المقال

د/ احمد الخطيب

استاذ بجامعة سوهاج