السبت 17 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
مقالات

شخابيط

محمد الصايم يكتب: التعليم والخطر الناعم !!

السبت 17/يناير/2026 - 12:46 ص

خلال لقاء جمعني بعدد من الزملاء الصحفيين والإعلاميين مع الدكتور أشرف منصور، رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية بالقاهرة، توقفت كثيرًا أمام دعوته الصريحة لإطلاق حملة إعلامية جادة ضد ما يمكن وصفه بـ" الدراما التافهة "، وما تتركه من آثار خطيرة على التعليم ووعي الأجيال الجديدة.

 

هذه الدعوة لم تكن مجرد رأي عابر، بل جاءت من حب نابع للوطن، وإدراك عميق لحجم التأثير الذي باتت تمارسه الدراما على عقول الطلاب، وعلى نظرتهم للعلم والدراسة والمعلم، بل ومستقبلهم بالكامل، فالدراما اليوم لم تعد مجرد فن للترفيه، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي، إما دعمًا لقيم العلم أو هدمًا لها.

تُشوه صورة المعلم

الخطر الحقيقي على التعليم لا يأتي دائمًا بصخب أو مواجهة مباشرة، بل يتسلل بهدوء، في صورة أعمال درامية تافهة تُضعف قيمة العلم وتُشوه صورة المعلم، وتُسخف من فكرة الاجتهاد، وهو ما يمكن وصفه بـ "الخطر الناعم "  الذي يعمل ببطء وتأثيره شديد على الحاضر والمستقبل

 

للأسف لم تعد الدراما في كثير من نماذجها انعكاسًا لقيم المجتمع أو أداة لبناء الوعي، وإنما تحولت إلى وسيلة لتسويق أنماط سلوكية سلبية،  شاهدنا أعمالًا تصور الطالب المجتهد على أنه ساذج أو معزول، بينما يقدم الطالب المهمل في صورة البطل الذكي القادر على تجاوز كل شيء دون علم أو جهد  كما تكررت نماذج درامية تُظهر المعلم كشخصية ضعيفة أو هزلية، فاقدة للتأثير والاحترام، وهو ما يرسخ لدى الطلاب نظرة سلبية تجاه المدرسة والجامعة.

 

وفي أعمال أخرى، جرى الترويج لفكرة أن النجاح والثراء يمكن أن يتحقق بالحيلة أو الصدفة أو الطرق المختصرة غير المشروعة، دون ارتباط حقيقي بالتعليم أو العمل الجاد. هذه الرسائل، وإن قُدمت في إطار درامي أو ترفيهي، تترك أثرًا عميقًا في وعي الشباب، وتغذي ثقافة الاستسهال والاستهانة بالعلم والتعليم

 

والأخطر من ذلك، أن هذه الصورة المشوهة تتسلل يوميًا داخل البيوت دون رقيب، في الوقت الذي نحاول فيه إقناع أبنائنا بأن التعليم هو الطريق الحقيقي للنجاح. فكيف نطلب من طالب أن يحترم المدرسة أو الجامعة، بينما يرى في الدراما نماذج تسخر من كل ما هو تعليمي معرفى.

ناقوس خطر حقيقي

من هنا أرى أن ما طرحه الدكتور أشرف منصور يمثل ناقوس خطر حقيقي، يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الإعلام والصحافة،  فدورنا لا يجب أن يقتصر على نقل الحدث، بل يمتد إلى الدفاع عن القيم التي يقوم عليها المجتمع، وفي مقدمتها قيمة العلم.

 

نحن لا نطالب برقابة على الإبداع، ولا بمصادرة الفن، ولكن نطالب بحد أدنى من المسؤولية المجتمعية، لأن  الدراما قادرة على أن تكون شريكًا في البناء، كما كانت في فترات سابقة، حين قدمت نماذج ملهمة للمعلم والطبيب والباحث، وأسهمت في تشكيل وعي أجيال كاملة وسوقت للوطن وحب الوطن.

 

الدولة اليوم تستثمر بقوة في تطوير التعليم، من جامعات حديثة، وشراكات دولية، ومناهج متطورة، لكن كل هذه الجهود قد  تفرغ من مضمونها إذا استمرت بعض الأعمال الدرامية في تقديم رسالة مضادة، تهدم ما يحاول التعليم بناءه.

 

إن إطلاق حملة إعلامية ضد الدراما التافهة ليس هجومًا على الفن، بل هو دفاع عن المستقبل، دفاع عن طالب يحتاج إلى قدوة إيجابية، وعن مجتمع لا يمكن أن ينهض دون تعليم يحظى بالاحترام والمكانة التي يستحقها.

 

وفي النهاية

 

 تبقى المسؤولية مشتركة بين صناع الدراما، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، والأسرة. فإما أن نكون جميعًا شركاء في بناء الإنسان، أو نترك الساحة لمحتوى يستهلك وينتهك العقول، ويضعف القيم، ويدفع ثمنه أبناؤنا قبل أي أحد آخر