لماذا تمنع بعض المؤسسات البحثية أعضاء هيئة البحوث من دخول معاهدهم نهارا وليلا؟
أثار الدكتور دسوقي عبد الحليم، أستاذ والعميد السابق لمعهد الهندسة الوراثية بالإسكندرية، تساؤلات قانونية بشأن ما وصفه بـ"التوسع غير المبرر" في تطبيق قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 982 لسنة 2026 على الباحثين وأعضاء هيئة البحوث في بعض المؤسسات والمراكز والمعاهد البحثية.
منع الباحثين من دخول أماكن عملهم خلال فترات الليل
وقال عبد الحليم إن عددًا من الجهات البحثية طبق إجراءات تقضي بمنع الباحثين من دخول أماكن عملهم خلال فترات الليل طوال أيام الأسبوع لمتابعة تجاربهم العلمية، وكذلك خلال فترات النهار في أيام الجمعة والسبت والأحد، استنادًا إلى القرار المشار إليه، وهو ما يثير تساؤلًا قانونيًا جديًا حول مدى صحة هذا التطبيق وحدود مشروعيته، وفقًا لظاهر نصوص القرار وصريح عباراته، دون الإخلال بما قد ينتهي إليه التفسير الرسمي المختص.
نطاق سريان القرار
وأوضح أن المادة الأولى من القرار تنص على سريانه على المنشآت والجهات الخاضعة لأحكام قانون العمل، كما تُلزم أصحاب الأعمال من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين بتنفيذ أحكامه، وهو ما يعني أن نطاق القرار ليس عامًا أو مطلقًا بالنسبة لجميع الجهات أو الفئات الوظيفية، وإنما يرتبط بشرطين أساسيين: أن تكون الجهة خاضعة لأحكام قانون العمل، وأن تكون العلاقة المنظمة فيها من العلاقات التي يتوافر فيها مفهوم «صاحب العمل» المخاطب بالتنفيذ.
وأشار إلى أن مجرد العمل داخل مؤسسة لا يكفي بذاته لاعتبار القرار منطبقًا على جميع العاملين بها، ما لم يثبت خضوع الفئة المعنية لأحكام قانون العمل من الناحية القانونية والتنظيمية.
المركز القانوني للباحثين
وأضاف عبد الحليم أن الباحثين وأعضاء هيئة البحوث لا يُفترض خضوعهم بذات الصورة التي يخضع بها العاملون الخاضعون مباشرة لقانون العمل، موضحًا أن أوضاعهم المهنية غالبًا ما تنظمها لوائح وقواعد خاصة ترتبط بطبيعة العمل البحثي، الذي لا يقتصر على العمل الإداري، بل يشمل مهام علمية وفنية وتجارب وتحاليل ومشروعات بحثية والتزامات مؤسسية.
وأكد أن إدخال هذه الفئات ضمن المخاطبين بالقرار بشكل تلقائي، دون سند قانوني واضح، يظل محل نظر قانوني.
قراءة القرار كوحدة واحدة
وشدد على ضرورة قراءة القرار كوحدة متكاملة، موضحًا أنه لا يجوز فصل المواد المنظمة للتطبيق عن المادة الأولى التي تحدد النطاق القانوني للمخاطبين به، لافتًا إلى أن الاستناد إلى مواد لاحقة لتوسيع نطاق التطبيق ليشمل فئات لم يثبت خضوعها لقانون العمل يثير إشكاليات قانونية.
وأضاف أن السؤال الأساسي الذي يجب حسمه هو ما إذا كان الباحثون وأعضاء هيئة البحوث يدخلون أصلًا ضمن نطاق المادة الأولى، مؤكدًا أنه في حال عدم وضوح ذلك، فإن تطبيق القرار عليهم يتطلب سندًا قانونيًا مباشرًا ومكتوبًا.
غياب النص الصريح
وأشار أن القرار " بحسب نصوصه الظاهرة " لا يتضمن ذكرًا صريحًا للمراكز أو المعاهد أو المؤسسات البحثية، ولا للباحثين أو أعضاء هيئة البحوث أو الوظائف العلمية، معتبرًا أن هذا الغياب يحمل دلالة قانونية مفادها أن النص لم يتجه إلى تنظيم أوضاع هذه الفئات بشكل مباشر.
وأوضح أن الأصل في القرارات التنظيمية هو عدم التوسع في تطبيقها على فئات خاصة دون نص واضح أو تفسير رسمي مكتوب، محذرًا من القياس أو التوسع في مدلول النص بما يضيف فئات جديدة إلى نطاقه.
طبيعة العمل البحثي
وأكد عبد الحليم أن طبيعة العمل البحثي تختلف عن العمل الإداري التقليدي، حيث ترتبط بإدارة المعامل والأجهزة، وإجراء التجارب والتحاليل، وتنفيذ خطط ومشروعات بحثية، إلى جانب التزامات علمية وتمويلية وإشرافية.
وأضاف أن إخضاع الباحثين لنفس القواعد المطبقة على الأعمال الإدارية دون مراعاة خصوصية عملهم قد يثير شبهة عدم الدقة في التطبيق، مشددًا على ضرورة وجود أساس قانوني واضح لأي تنظيم يمس هذا النوع من العمل.
حدود سلطة الإدارة
وأوضح أن للجهات الإدارية الحق في تنظيم العمل داخل حدود اختصاصها، إلا أن هذا الحق يظل مقيدًا بمبدأ المشروعية، وضرورة الالتزام بحدود النصوص القانونية وعدم تحميلها ما لا تحتمل.
وأشار إلى أن أي إجراءات تتضمن منعًا أو تقييدًا أو ترتيب آثار وظيفية على فئة معينة يجب أن تستند إلى نص قانوني أو لائحي واضح، أو تفسير رسمي معتمد، أو قرار تنفيذي مكتوب قائم على أساس قانوني صحيح.
مطالب بتوضيح السند القانوني
واختتم عبد الحليم تصريحاته بالتأكيد على أن ما يطرحه لا ينطوي على إنكار لحق الإدارة في تنظيم العمل، بل يمثل طلبًا مشروعًا للتحقق من مدى انطباق القرار على الباحثين وأعضاء هيئة البحوث، وبيان السند القانوني الذي يبرر ذلك.
ودعا إلى وقف التوسع في تطبيق القرار على هذه الفئات إلى حين استجلاء هذا السند بشكل واضح ومكتوب، مؤكدًا أن وضوح الأساس القانوني يحمي الأفراد والإدارة معًا، ويجنب نشوء منازعات مستقبلية، ويحقق الاستقرار ويحافظ على مبدأ المشروعية.
