الجمعة 27 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
مقالات

زيادة سنوات التعليم الإلزامي بين طموح الإصلاح وجاهزية المدارس

الجمعة 27/فبراير/2026 - 04:42 م

يأتي مقترح زيادة سنوات التعليم الإلزامي كإشارة واضحة إلى توجه إصلاحي جاد يستهدف تطوير المنظومة التعليمية بصورة أعمق وأكثر شمولًا فالتحركات التي تقودها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تعكس رغبة حقيقية في إعادة بناء الأساس التعليمي، خاصة من خلال التفكير في خفض سن الالتحاق بالتعليم الإلزامي ليبدأ من خمس سنوات، مع ضم مرحلة رياض الأطفال إلى المنظومة الرسمية.

مقترح زيادة سنوات التعليم الإلزامي

يكشف مقترح زيادة سنوات التعليم الإلزامي إدراكًا متقدمًا لأهمية المرحلة التأسيسية المبكرة، إذ لم تعد رياض الأطفال مجرد مرحلة تمهيدية عابرة، بل أصبحت قاعدة أساسية يُبنى عليها وعي الطفل وإدراكه وشخصيته وهويته، فضلًا عن تنمية قدرته على التعلم والتحليل والإنجاز في المراحل اللاحقة. 

فالاستثمار في السنوات الأولى من عمر الطفل ينعكس بصورة مباشرة على جودة المخرجات التعليمية مستقبلًا، ويقلل من معدلات التعثر والتسرب في المراحل التالية.

كما أن التوسع في التعليم الإلزامي يمنح فرصة حقيقية للفئات الاجتماعية محدودة الدخل، التي قد لا تتمكن من إلحاق أبنائها ببرامج التعليم المبكر  فإدماج هذه المرحلة ضمن التعليم الإلزامي يسهم في تقليص الفجوة التعليمية بين الأطفال، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص منذ البداية، قبل أن تتسع الفوارق بينهم مع مرور السنوات.

ورغم وجاهة الفكرة وأهميتها الاستراتيجية، فإن نجاحها يتوقف على مدى جاهزية الواقع التعليمي لاستقبالها. فالصورة على أرض الواقع ما زالت تحتاج إلى تهيئة دقيقة ومراجعة شاملة قبل التنفيذ. 

ومن الطبيعي أن تطرح تساؤلات مقترح زيادة سنوات التعليم الإلزامي حول قدرة المدارس على استيعاب مرحلة إضافية دون أن يؤدي ذلك إلى ضغط أكبر على البنية الحالية.

هل يتوافر عدد كافٍ من المعلمين المؤهلين والمتخصصين في التعامل مع هذه الفئة العمرية الحساسة؟ وهل البنية التحتية الحالية قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة دون رفع الكثافات داخل الفصول إلى مستويات تؤثر على جودة التعليم؟

 كما أن الأمر يتطلب دراسة دقيقة للعبء المالي والإداري الذي ستتحمله الدولة لضمان تنفيذ فعلي يحقق أهدافه المرجوة.

التأكيد على الجاهزية لا يعني رفض المقترح، بل يعكس حرصًا على نجاحه. فكل خطوة تعليمية تمس شريحة واسعة من المجتمع تحتاج إلى أرضية قوية تتحملها وتضمن استدامتها، حتى لا تتحول النوايا الإصلاحية إلى تحديات إضافية تثقل كاهل المنظومة بدلًا من تطويرها.

 

ومن أبرز متطلبات التطبيق الفعلي إنشاء فصول جديدة تستوعب الأعداد الإضافية دون الإضرار بالكثافات الحالية، إذ يمثل المكان عنصرًا أساسيًا في نجاح العملية التعليمية. 

كما أن تعيين معلمين متخصصين ومدربين على خصائص النمو في هذه المرحلة العمرية يُعد ركيزة رئيسية، إلى جانب توفير برامج تدريب مستمرة ترفع من كفاءتهم وتواكب أحدث الأساليب التربوية.

ولا يقل تطوير المناهج أهمية عن البنية التحتية والكوادر البشرية، إذ يجب إعداد محتوى تعليمي يتناسب مع خصائص النمو والفروق الفردية للأطفال، ويوازن بين التعلم القائم على اللعب المنظم واكتساب المهارات الأساسية، بما يخلق بيئة تعليمية محفزة تدعم الإبداع والاكتشاف.

في النهاية، يمثل مقترح زيادة سنوات التعليم الإلزامي خطوة طموحة تحمل أبعادًا إصلاحية حقيقية، لكن نجاحها مرهون بتخطيط مدروس وتنفيذ مرحلي يضمن جاهزية المدارس والمعلمين والمناهج. 

فالإصلاح التعليمي لا يتحقق بالقرارات وحدها، بل بتوفير الإمكانات التي تجعل من كل خطوة إضافة حقيقية لمستقبل التعليم.