الجمعة 27 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
مقالات

آن أوان المحاكمة !

الجمعة 27/مارس/2026 - 06:06 م

هذا العنوان ليس من عندي، بل هو عنوان عمل أدبي وفلسفي مهم كتبه الكاتب والروائي بسام عبد السميع، وفى اعتقادى أنه عمل ابداعي فريد ؛ فهو ليس عملا روائيا من نبت الخيال وان كان قد اعتمد على فكرة خيالية تخيل فيها أن بإمكانه أن يستدعي أكثر من ثلاثين فيلسوفا وأديبا من ذوي الميول الفلسفية من سقراط وأفلاطون قديما إلى زكي نجيب محمود ومالك بن نبي وادوارد سعيد حديثا.

قيمة الفكر الفلسفي

 ومن هيباتيا فيلسوفة الإسكندرية  قديما إلى سيمون دى بوفوار فيلسوفة الوجودية الشهيرة حديثا، ومن كونفشيوس وبوذا قديما إلى تولستوى ودوستويفسكى حديثا! ويخضعهم جميعا للمحاكمة عبر سؤال شغل كيانه وبدا واضحا في عمله عن قيمة الفكر الفلسفي ودوره في تاريخ البشرية ! 
كما أنه ليس عملا فلسفيا يسرد فيه تاريخ الفلسفة والفلاسفة ويستعرض أفكارهم ! بل هو عمل يمزج بين التاريخ الحضارى العام للبشرية وتاريخ الفلسفة والعلم ويكشف بجلاء عن دور الفلسفة وأهمية السؤال الفلسفي على مدار التاريخ، موضحا أن محاكمة أفكار الفلاسفة لا تكون فقط عبر نقد أفكارهم النظرية فيما بينهم وبين أنفسهم بل عبر السؤال عن مدى صدق هذه الأفكار حينما واجهت الواقع وهل صمدت هذه الأفكار أمام التجربة الفعلية أم تهاوت في لحظة المواجهة ؟!


والحقيقة أن القيمة الحقيقية لهذه الرواية الفلسفية في اعتقادي تكمن في قدرة هذا الروائي القدير على فهم أفكار وآراء هذا الكم الكبير من الفلاسفة المشاهير وعرضها بهذا الأسلوب السهل الممتنع وعلى هذه الصورة الجديدة البديعة من العرض الروائي دون أن يقع في الغموض والخلط بين آراء الفلاسفة المختلفين في الأزمنة والأمكنة.

وكذلك في قدرته على التقاط وإبراز الأفكار ذات الصلة المباشرة بالواقع المعيش ليؤكد من طرف خفي على أن هذه الأفكار التي نحاكم عليها الفلاسفة انما هي ذات الأفكار التي آمنا بها وأثرت حياتنا وساعدتنا على فهم أنفسنا وعلى إدراك دورنا الحقيقي في الحياة، فضلًا عن تطوير هذه القدرات وتطويعها لخدمة أنفسنا وصنع الحياة الأفضل والأرقى باستمرار. 


إنَّ ثمة أقوالا وأفعالا خالدة للفلاسفة عبر التاريخ ترسم صورًا خلاقة للحياة الإنسانية وتمثل نبراسا يوقظ البشر زمنا بعد أخر وعصرًا بعد عصر التقطها الكاتب وعبرعنها بلغته السلسة المميزة ؛ خذ مثلا قوله عن سقراط "وفي عام 399 ق.م. مات سقراط واقفًا.. لا حاملا سيفا بل حاملا فكرة قاومت السلطة، وسؤاله مازال يطرح في كل زمن:" هل تعرف نفسك ؟"،  وها هو يقول نقلًا عن أفلاطون " ليست الفلسفة حكما على الناس..بل استباقًا لانهياراتهم، من لا يحتمل رؤية الشمس سيظل عبدًا للظل حتى لو عاش حرا ".

 وها هو كذلك يتخيل  هيباتيا وهي تتحدث الى سقراط أمام قاضى المحاكمة – وهما شهيدا الفلسفة في الزمن القديم - قولها " العقل ليس النهاية.. بل بداية الرحلة.. والموت من أجله ليس انتحارا بل بوابة الخلود ". 


وخذ مثلًا ذلك الحوار الذي تخيله المؤلف بين الغزالي وكانط: يقول الغزالى بنبرة من عرف النار ثم نجا: شككت في كل شيء حتى لا أسلم نفسي لعادة تشبه الايمان، يقول كانط بنبرة صلبة كأنها معادلة: الشك خطوة ضرورية لكن لابد أن يقنن في حدود العقل... ويختتم الحوار بينهما حين يقول كانط وهو يحمل ميزان العقل، فلنلتق إذن على أرض ثالثة: أنت جعلت القلب بوابة العقل وأنا جعلت العقل حارس بوابة الأخلاق.. فلعل الانسان بيننا ينجو، ويرد الغزالي مبتسما: ما أجمل أن يلتقي السؤال حين يفقد غطرسته ويعود ليكون.. نجاة " !.


وخذ مثلا ثالثًا تصوره لرؤية زكي نجيب محمود تعليقًا على حوار متخيل بين هيلين كيلر التي توفيت عام 1968م، ولم تر من نور الدنيا شيئا قائلة "ان العمى الحقيقي هو عمى القلب"، وبين النفري فيلسوف الصوفية المسلم الشهير صاحب المقولة العظيمة "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة "، حيث نقل من مؤلفات د. زكي نجيب محمود ما يمكن أن يكون تعليقا على الرؤيتين السابقتين قوله "ربما نختلف.. لكننا نتفق في شيء واحد أن الفلسفة ليست ترفا بل حاجة إنسانية، قد نراها في المختبر أو في محراب أو في عتمة تضاء من الداخل، لكنها في النهاية بحث عن معنى الانسان".


ولعلي أختم هذه الاطلالة السريعة على هذه الرواية الممتعة في رحلتها الفلسفية بقول القاضى للجمهور الذي يشاهد المحاكمة " لا تثقوا بأحد حتى بأنفسكم.. اختبروا كل شيء حتى أفكاركم.. فالحقيقة ليست صورة واحدة بل مجموع صور لا تكتمل إلا حين تتعارض أجزاؤها "!


إن تلك الرواية تسبح بحرية في الفضاء الفلسفى لتلتقط وقائع عديدة وصورًا متعددة من مقولات وحوارات الفلاسفة التي لا تنتهي حول الحقيقة ورؤيتهم للوجود ومشكلات الحياة، والطريف أنها لا تنتهى عند عصرنا هذا، بل تحاول استشراف صورة الحوار الفلسفي في المستقبل بين الانسان والآلة في إشارة إلى عصر ما بعد الانسان والانسان المعزز، وكم كان جميلا أن يُفتتح الفصل الختامي المعنون ب " رسل الغد " بقول المؤلف إن " معرفة الغد لا تمنحنا الخلاص.. بل تسحب من أرواحنا لذة الترقب وجمال أن نخطئ " ولعلي أضيف هنا.. وشغف السؤال الدائم عن الحقيقة !!.. 


إن الفلسفة كما بدا من ذلك العرض الروائي هي جوهر إنسانيتنا؛ فهي ليست إلا شغف الانسان الدائم لإدراك الحقيقة التي هي أشبه بسراب نحن نصنعه ثم نجرى وراءه لاهثين..
إن قارئ هذه الرواية منذ عنوانها اللافت " آن أوان المحاكمة " الدال على أن بها محاكمة للفلاسفة وأفكارهم ربما يكتشف في النهاية كم الجرم الذي يرتكبه منتقدي الفلسفة ومن يهجمونها في حق أنفسهم وفى حق الإنسانية !