نحو توازن مطمئن للدرجات يساند الطالب ولا يرهقه
بين أعمال السنة والامتحانات النهائية.. حكاية طالب يبحث عن فرصة عادلة
فكرة تخصيص الجزء الأكبر من إجمالي الدرجات لـ أعمال السنة تبدو، في ظاهرها، منطقية وتحمل نوايا إيجابية؛ فهي تسعى إلى دعم التعلم المستمر، وربط الطالب بالمدرسة والحضور، والابتعاد عن رهبة الامتحان الواحد الذي يحدد مصير عام كامل.
كما أنها تتماشى – نظريًا – مع أساليب التقويم الحديثة التي تعتمد على المتابعة اليومية بدل الحكم على الطالب في يوم واحد.
لكن الواقع داخل مدارسنا يختلف نسبيًا عن هذا التصور المثالي. فالطالب لا يزال في طور التعلم والتدرج في التعامل مع هذه الأساليب الجديدة، وهو في المراحل التعليمية المختلفة لا يكتفي فقط بالمذاكرة أو تحصيل الدرجات، بل يتشكل نفسيًا ووجدانيًا، وتؤثر فيه كل درجة تُضاف أو تُخصم من أعمال السنة، خاصة عندما ترتبط أحيانًا بسلوكيات، أو تقديرات شخصية، أو ظروف مدرسية وبيئية متغيرة، وليست دائمًا بمعايير ثابتة وواضحة.
من هنا يظهر القلق الحقيقي لدى الطلاب وأسرهم، وهو قلق لا يعبر عن رفض للفكرة بقدر ما يعكس تخوفًا من التطبيق غير المتوازن. فالطالب في المقام الأول يحتاج إلى الإحساس بوجود ميزان واضح وعادل، ومعايير معلنة ومفهومة، لا مجرد تقييمات يومية قد تختلف من معلم إلى آخر، أو من مدرسة إلى أخرى.
توزيع درجات أعمال السنة
ولهذا يبرز الرجاء بإعادة النظر في نسب توزيع درجات أعمال السنة، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن، يضمن للطالب سلامته النفسية وحقه في تقييم عادل، ويمنحه شعورًا بالاطمئنان بأن مجهوده لن يضيع بسبب تفاصيل صغيرة أو تقديرات متغيرة خارجة عن إرادته.
الهدف هنا ليس الاعتراض، بل السعي إلى تقنين أفضل وصيغة أكثر إنصافًا، تحقق في الوقت نفسه أهداف الوزارة في تطوير التعليم بشكل حقيقي ومستدام.
ولا يمكن إغفال الجهود الكبيرة التي بذلتها وزارة التربية والتعليم خلال الفترة الماضية، في سبيل تطوير المنظومة التعليمية والاقتراب من النظم الدولية الحديثة، وهو مجهود واضح ومُقدَّر، خاصة أن التغيير في منظومة بحجم التعليم ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق. لكن أي قرار جديد يحتاج إلى قياسه على أرض الواقع، داخل الفصول الدراسية والبيوت، في ظل كثافة الطلاب، وضغط المناهج، وتفاوت مستويات المدارس والطلاب.
فالطالب اليوم قد يشعر بأن كل يوم دراسي أصبح امتحانًا، وكل مشاركة أو واجب له درجة، وأي تقصير بسيط قد يؤثر بشكل كبير على مجموعه النهائي، وهو ما قد يخلق حالة من التوتر والقلق اليومي بدلًا من أن يكون دافعًا إيجابيًا للتعلم، كما أن الأسرة تعيش القلق نفسه، في ظل عدم وضوح الصورة الكاملة حول مدى حصول أبنائها على حقهم الكامل في التقييم.
وهنا يبرز الحل في التوازن النسبي بين أعمال السنة والامتحان النهائي؛ توازن يجعل أعمال السنة وسيلة تشجيع ودعم، خاصة للطلاب الضعاف، دون أن تتحول إلى مصدر ضغط مستمر، وفي الوقت ذاته يحافظ للامتحان النهائي على وزن عادل يعكس المستوى الحقيقي للطالب بشكل أكثر دقة.
ختامًا، كل تطوير في التعليم يحتاج إلى وقت وتجربة ومراجعة مستمرة، وهذا أمر طبيعي في أي نظام تعليمي في العالم. والوزارة بلا شك تضع مصلحة الطالب في مقدمة أولوياتها، وهو ما يستحق التقدير والدعم. لكن أحيانًا، تحتاج بعض القرارات إلى ضبط بسيط، يضمن تحقيق أهدافها بأفضل صورة ممكنة، ويزرع الطمأنينة في قلوب الطلاب قبل أي شيء آخر.


