الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
مقالات

أستاذي الدكتور مفيد شهاب.. حين يلتقي العلم بالوطنية والإنسانية

الثلاثاء 17/فبراير/2026 - 03:07 م
الراحل الدكتور مفيد
الراحل الدكتور مفيد شهاب مع الدكتور محمد سامي عبدالصادق

حين أستعيد ذكرياتي مع أستاذي الجليل الدكتور مفيد شهاب -رحمه الله- أجد نفسي أمام سجلٍ زاخرٍ من المواقف واللحظات التي يصعب أن تحيط بها كلمات أو عبارات؛ فهي صفحات ممتدة من عمر طويل عايشته تلميذًا ومرافقًا ومتعلمًا في مدرسة فريدة جمعت بين العلم النافع والوطنية الراسخة والإنسانية النبيلة. فكيف يمكن لعشرات السنين المليئة بالمواقف الملهمة والدروس العميقة أن تروى في سطور محدودة ؟

 

غير أنني أود اليوم أن أستعيد مع زملائي وأصدقائي وأبنائي بعض المحطات التي جمعتني بهذا العالم الجليل، والتي لا تغيب عن ذاكرتي، على أمل أن تتاح لي الفرصة لاحقًا لسرد المزيد من المواقف، تعريفًا للمجتمع الأكاديمي والمهني وللأجيال على اختلافها، بالجوانب المضيئة التي قد لا تكون معلومة لدى الكافة، لرجل عظيم من أعلام القانون، وابن بار من أبناء هذا الوطن، ترك في نفسي وفي نفوس تلاميذه أثرًا لا يزول.

 

بداية المسيرة المهنية

ففي العام 2004 انتُدبت للعمل مستشارًا بوزارة شئون مجلس الشورى ومن بعدها وزارة الشئون القانونية والمجالس النيابية تحت قيادة الوزير الدكتور مفيد شهاب الذي اختارني لهذه المهمة. وكان -آنذاك- يسند لي الكثير من المهام، من إعداد التقارير وكتابة المذكرات القانونية، إلى تحليل الآراء الفقهية وصياغة خطبه الرسمية. وفي الشهور الأولى كان يحرص، بدقة شديدة، على أن يرسم لي التصور الكامل لكل ما أقوم به، وكانت توجيهاته دروسًا متكاملة تعلمت فيها أصول الصياغة وفنون ترتيب الأفكار، واكتسبت معها مقتضيات مراعاة الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. وخلال وقت وجيز أصبحت تلميذًا نجيبًا في مدرسة أستاذ قدير، حتى نشأت بيننا "كيمياء خاصة" جعلتني أفهم مقصده من مطلع عباراته، بل ومن نظراته أحيانًا، فأُعد ما يكلفني به ليخرج على النحو الذي يريده. كانت أيامًا رائعة، كنت فيها محظوظًا بثقة أستاذي، وسعيدًا بأن أكون شاهدًا على نجاحاته، فقد كان وزيرًا لامعًا مشهودًا له بالكفاءة، كما كان أستاذًا رفيع المقام يقود فريق العمل ببراعة واقتدار.

 

في العام 2011 انتهت سنوات العمل العام في الوزارة، لكن بالمقابل توطدت العلاقة بيننا في العمل الخاص، فقد تشرفت بالتعاون مع أستاذنا في أعمال المحاماة، حيث عملت معه إلى جوار عملي مع والدي المستشار سامي عبدالصادق –رحمه الله– فكنت محظوظًا بالجمع بين مدرستين عظيمتين. تعلمت منهما الكثير في فنون التفاوض، وقوة الحجة وسلامة الاستدلال، وكيفية عرض الدليل، وفن الترافع والإقناع. كان والدي مدرسة قوية راسخة أمام القضاء العادي، بينما كان أستاذنا الدكتور مفيد شهاب مدرسة كبرى أمام هيئات التحكيم. وخلال تنقلاتي معه داخل مصر وخارجها لمست فيه دبلوماسية رفيعة بحسن انتقاءه للكلمات، كما لمست تقديرًا صادقًا لكل من حوله، كبيرهم وصغيرهم، وحبًا لفعل الخير في الخفاء. لم أشهده يومًا يتلفظ بلفظ خارج أو يسيء إلى أحد أو يتملق لأي شخص. وعندما توفي والدي في نوفمبر 2023، كان أستاذي – رغم كبر سنه – حاضرًا إلى جواري في صلاة الجنازة والدفن والعزاء، ضاربًا أروع الأمثلة في المحبة والوفاء.

 

في العام 2024 شرفت بثقة القيادة السياسية بصدور قرار فخامة رئيس الجمهورية بتعييني رئيسًا لجامعة القاهرة، وكانت من أوائل المكالمات التي تلقيتها مكالمة أستاذي الدكتور مفيد شهاب، الذي غلبته دموعه وبكاءه وهو يهنئني، لقد تأثرت كثيرا بهذا الموقف تقديرًا لمحبة صادقة ووفاءٍ نادر. أعلم مدى عشقه لجامعة القاهرة وكان دائما يؤكد على أن رئاسته لها كانت أفضل وأحب منصب تقلده. وأتذكر هنا أن المكالمة الأولى التي تلقيتها عقب صدور القرار الجمهوري كانت من الاستاذ الدكتور محمد الخشت، الذي اعتز به وبفترة خدمتي مع سيادته، وقد هنأني وقتها بصدقٍ وصوتٍ ملؤه الفرح، وأنا موقن مقدار المحبة والتقدير المتبادل بيننا.

 

ومنذ شهور قليلة مضت، حرصنا في الجامعة على دعوة استاذنا القدير للموسم الثقافي احياء لذكرى تحرير سيناء، ولإلقاء محاضرة بقاعة الاحتفالات الكبرى عن ملحمة استرداد طابا. ورغم ما بدا عليه من تعب وإرهاق عند حضوره، إلا انه سرعان ما تفاعل مع الحضور، واستفاض في شرح تفاصيل المعركة الدبلوماسية والقانونية، موضحًا التحديات التي واجهت فريق الدفاع المصري وكيف نجح مع الفريق في إقناع هيئة التحكيم بالحقوق المصرية. كانت محاضرة استثنائية شهد بروعتها كل من حضرها، وهي مسجلة لدى المكتب الإعلامي بالجامعة وسيعاد عرضها قريبًا.

 

مؤخرا، وفي مساء الخميس الماضي الموافق 12 من فبراير 2026، حرصت بصحبة أخي وزميلي الأستاذ الدكتور محمد سامح عمرو عميد كلية الحقوق على زيارة أستاذنا الجليل في منزله. جلس معنا وقد ارتسمت على وجهه علامات السعادة والامتنان، وكانت نظراته لنا وكأنها لحظات وداع. تحدثنا في أمور كثيرة وفي أحوال الكلية والجامعة، وكان ذلك اللقاء الأخير؛ إذ لقي أستاذنا الكريم ربه بعد نحو ثمانٍ وأربعين ساعة من هذا اللقاء، وكأن الله عز وجل أكرمنا برؤيته والحديث معه قبل رحيله.

 

لا شك أنكم تتفقون معي أننا أمام قامة استثنائية ورائد لمدرسة متكاملة في العلم والوطنية والإنسانية.. لقد أتيحت لي فرصة التعرف عن قرب على جوانب مضيئة في شخصيته، وآمل أن أشارك مستقبلًا في مؤلف يوثق مسيرته الأكاديمية والسياسية والمهنية بما يليق بقامته. لمست فيه حبًا عظيمًا لوطنه، وأنا على ثقة بأن اسم الأستاذ الدكتور مفيد شهاب سيحظى بالتكريم الذي يليق بدوره الوطني الكبير، وسيبقى أثره حيًا في وجدان تلاميذه وكل من عرفوه.