أم كلثوم سيدة الغناء العرب.. ظاهرةً كونية
لم تكن أم كلثوم مجرد صوتٍ مرّ عبر الأثير، بل كانت ظاهرةً كونية، اختزلت في حنجرتها تاريخ أمة، وجسّدت بمنديلها وكبريائها شموخ الهرم. هي "كوكب الشرق" الذي لا يغيب، والشمس التي أشرقت من طمي النيل لتملأ الدنيا نغمًا وسحرًا.
من قرية "طماي الزهايرة" إلى قمة المجد
بدأت الرحلة من قلب الريف المصري، حيث ولدت "فاطمة إبراهيم البلتاجي" في بيئة بسيطة ظهرت موهبتها الفطرية في سن مبكرة، فكانت تجوب القرى بزي "عقال" بدوي لتنشد التواشيح الدينية. هذا التأسيس الديني هو الذي منحها مخارج حروف سليمة وقدرة فائقة على نطق اللغة العربية الفصحى بسلاسة قلّ نظيرها
جمال الصوت.. وسحر الأداء
إذا تأملنا في مسيرة هذه الأسطورة، نجدها قصيدةً بليغة صاغها الزمن بعناية، ويمكننا قراءة عظمتها من خلال الزوايا البلاغية التالية:
لم تغنِّ أم كلثوم الكلمات، بل كانت تنفخ الروح في الحروف الميتة. فكم من بيت شعرٍ كان منسيًا في بطون الكتب، فما إن لامسته حنجرتها حتى استحال كائنًا حيًا يرقص في وجدان المستمعين.
في صوتها يجتمع الضعف الإنساني بمرارة الفقد، مع القوة الجبارة التي تزلزل المسارح. كانت تجمع بين "آهات" الانكسار وكبرياء "الأنفة"، فخلق هذا التضاد توازنًا شعوريًا فريدًا جعلها صوت المحبين والثوار على حد سواء.
أم كلثوم هي "مدرسة الإحساس". لم تكن تطرب الآذان فحسب، بل كانت تثقف الوجدان. كانت حفلاتها الشهرية "جامعةً" مفتوحة، تدرس فيها شعوب العرب فنون اللغة، ومخارج الحروف، وأدب الحب
جبل من النغم لا يطاله النسيان
لقد كانت الست تجيد الإيجاز في الصمت قبل الكوبليه، ليكون أبلغ من الكلام، وتتقن الإطناب في إعادة المقطع الواحد بعشر طرق مختلفة، وكأنها في كل مرة ترسم لوحة جديدة لنفس المشهد.
هل رأى الحب سكارى مثلنا؟ لم يكن هذا مجرد سؤال استفهام غرضه التعجب والاستعظام، بل كان دعوة للكون كله ليتأمل في حالة العشق التي جسدتها بصوتها الرخيم.
الصوت الذي طوع المستحيل
ما يميز أم كلثوم ليس فقط مساحة صوتها الواسعة (صوت "كونترالتو" قوي)، بل قدرتها على التصرف في الجملة اللحنية. كانت تعيد المقطع الواحد مرات عديدة، وفي كل مرة تمنحه إحساسًا جديدًا وزخرفة نغمية مختلفة، مما يجعل المستمع في حالة من "السلطنة" والنشوة الروحية.
استطاعت أم كلثوم أن تجمع حولها عباقرة عصرها:
في الشعر: غنت لأمير الشعراء أحمد شوقي، وبيرم التونسي، وناجي.
في الألحان: شكلت ثنائيات تاريخية مع رياض السنباطي (مجدد القصيدة)، ومحمد القصبجي (رائد التجديد)، وبليغ حمدي (سيد الشجن)، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في "لقاء السحاب".
اي استطاعت أم كلثوم ان تجمع مثلث العظمة: الكلمة، اللحن، والأداء
الهيبة والوقار: المنديل والنظارة
رسمت أم كلثوم لنفسها صورة ذهنية لا تُمحى؛ الوقوف بوقار أمام الميكروفون، المنديل الذي تعتصره بيدها تعبيرًا عن التفاعل مع النغم، والفساتين المحتشمة الراقية. كل هذه التفاصيل جعلت منها أيقونة للأناقة والهيبة العربية.
الدور الوطني والإنساني
لم ينفصل فن أم كلثوم عن قضايا أمتها. فبعد نكسة 1967، حملت "الست" صوتها وسافرت في جولات عالمية لجمع التبرعات للمجهود الحربي، مؤكدة أن الفنان هو نبض شعبه في الأزمات. كانت تعامل كالملوك والرؤساء، ليس لمنصبها، بل لسطوة فنها ورقيّ شخصيتها.
رحلت أم كلثوم في فبراير عام 1975، وخرجت جنازتها مهيبة تليق بمكانتها كواحدة من أعظم من أنجبت مصر. ورغم مرور العقود، لا يزال صوتها هو الرفيق الأول في ليالي السهر، وهو المرجع لكل باحث عن "الأصالة". ستبقى أم كلثوم "كوكب الشرق" الذي لا يغيب، لأنها لم تغنِّ للحظة، بل غنت للخلود.




