الثلاثاء 20 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
مقالات

شخابيط

محمد الصايم يكتب : العودة إلى الجذور ..حين تصبح القرية وطنًا للقلب

الإثنين 29/ديسمبر/2025 - 07:45 م

حين تصبح  القرية وطنًا للقلب ..كل مرة أعود إلى قريتي نجع زيد مدينة البلينا محافظة سوهاج، لا أعود مجرد عودة مكان، بل أعود إلى زمنٍ كامل

أعود إلى صغري، إلى الضحكات الأولى التي كانت تخرج من القلب بلا حساب، إلى الحقول الممتدة، والسواقي الهادئة، ورائحة الخبز الدافئ الذي كانت تصنعه الأيادي الطيبة، وإلى لحظات بسيطة لكنها لا تتكرر إلا في الذاكرة

هنا يهدأ الضجيج داخلي، ويصبح الصمت لغة، وأشعر بحاجة عميقة إلى السكون ، كأن القرية تعرف كيف تحتويني كلما أثقلتني الحياة

ليتني لم أكبر

ليتني بقيت ذلك الطفل الذي يرى الدنيا أوسع مما هي عليه الآن، أكثر براءة، أقل قسوة ، ليت الزمن توقف عند ضحكة صافية، أو جريٍ في طرقات الطين، دون خوف من الغد أو حسابات العمر ، كبرت لكن داخلى طفل ما زال يشتاق، ويحلم بالعودة، حتى لو كانت عودة بالقلب فقط

اشتقتُ لكل ما صنع طفولتي أهلي، إخوتي، أصدقاء العمر، صوت العصافير عند الفجر، رائحة التربة بعد الري، اللبن الطازج، وذكرياتي المعلقة في كل شبر من أرض نجع زيد

ذكريات المدرسة حين كان التعليم رسالة

ومن بين أجمل ما أستعيده اليوم، ذكريات المدرسة في أيام الزمن الجميل ، من مدرسة الحلافي الابتدائية، حيث كنا نذهب إليها سيرًا على الأقدام لمسافة أربعة كيلومترات يوميًا، نحمل كتبنا وأحلامنا الصغيرة، ولا نشعر بتعب الطريق

أساتذتي الأجلاء هناك لم يكونوا مجرد معلمين، بل أصحاب رسالة، يمنحوننا العلم بعد اليوم الدراسي دون مقابل، إيمانًا بأن التعليم حياة، وأن العلم حق لا يُبخل به

ثم مدرسة بني جميل الإعدادية، حيث كانت الرحلة أطول، نقطعها أحيانًا بركوب الحمار لمسافة تتجاوز ستة كيلومترات، في مشهد بسيط لكنه عالق في الذاكرة ، 

ولا أنسى مدرسة الشهيد حجازي نور الدين الثانوية  بمدينة البلينا، حيث فرض بُعد المسافة وغياب المواصلات واقعًا صعبًا،فكنا نستأجر سكنًا خاصًا ونقيم فيه أسبوعًا كاملًا من أجل الدراسة

وفي بعض الأحيان، كنا نعود سيرًا على الأقدام لمسافة  تتجاوز عشرة كيلومترات،متعبين في الجسد، لكن ممتلئين بالإصرار والعزيمة وحب العلم

لم تكن رحلة التعليم سهلة، لكنها صنعت فينا الصبر، والاعتماد على النفس، والإيمان بأن الطريق الصعب هو الذي يصنع الإنسان الحقيقي

أمي رحمها الله

سيدة  لم تتعلم القراءة ولا الكتابة، لكنها علّمتني الحياة ، علّمتني أن الدعاء قوة، وأن الرضا طريق نجاة، وأن الطيبة لا تُهزم ، كانت دائمًا عونًا لي في إكمال تعليمي، ودعواتها سبقتني في كل خطوة حتى الآن، حين أعود، يملأ صوتها وصورتها البيت، كأنها ما زالت تستقبلني وتطمئن قلبي.

اللهم اجعل قبرها نورًا، وآنس وحشتها، واجزها عني خير الجزاء.

ووالدي رحمه الله

كان السند الأول، والظهر الذي أتكئ عليه، والقوة حين أضعف ، منه تعلمت الثبات، والكرامة، وحب الأسرة ،رحل جسده، لكن حضوره لم يغِب، ما زال يسكن قلبي، ويرافقني في مواقفي وذكرياتي

اللهم ارفع درجته في عليين، واجعل مثواه الجنة ، 

كنتُ الولد الوحيد بين أربع بنات  هدى، وأميمة التي نحتفل اليوم بزفاف ابنها، وشهيرة ، وعبير ،بعد رحيل أمي، أصبحن قوتي الحقيقية، وظهري وقت الشدة، والوقود الذي أتحرك به في هذه الحياة

ربنا يحفظهن ويحفظ أولادهن لي، ولا يحرمني منهن أبدًا

أما أهل الصعيد، فهم أصل الحكاية وجوهرها ،طيبة بلا تصنّع، شهامة بالفطرة، ونخوة لا تعرف الغياب ، في الصعيد الكلمة عهد، والجار أهل، والفرح لا يكتمل إلا بمشاركة الجميع، والحزن لا يُترك فيه أحد وحيدًا

وسبب عودتي هذه المرة إلى القرية، هو حضور زفاف ابن شقيقتي أحمد الدهشوري، الذي أعتبره كابني الصغير، وأحبه لطيبة قلبه وحنانه  م

العودة إلى القرية ليست زيارة أو  مجرد مكان 

إنها رحلة في الذاكرة والوجدان، تذكرنا بمن نكون، وبمن أحبونا، وبما صنعنا عليه حياتنا، وإلى كل من أحبونا دون شروط ، وبأن الجذور مهما ابتعدنا تظل هي الأمان