تحليل في ضوء بعض التصنيفات الدولية للجامعات
أ.د الهلالي الشربينى الهلالي يكتب: سيناريوهات مستقبل التعليم العالي العابر للحدود في مصر
يُعد التعليم العابر للحدود (Transnational Education – TNE) أحد أبرز الاتجاهات المعاصرة في تطوير التعليم العالي، ويُقصد به جميع أشكال التعليم التي تُقدَّم خارج حدود الدولة الأم للمؤسسة التعليمية المنشئة والمقدِّمة لهذا التعليم. ويشمل ذلك فروع الجامعات الأجنبية، والبرامج المشتركة والمزدوجة، والتعليم الإلكتروني الدولي، والاعتماد المشترك، والشهادات المزدوجة. وقد اتجهت مصر خلال السنوات الأخيرة بقوة نحو هذا النمط من التعليم في ظل تصاعد مفاهيم العولمة التعليمية، واقتصاد المعرفة، وتدويل الجامعات
نظرية تدويل التعليم العالي
وينطلق هذا التوجه من ارتباط التعليم العابر للحدود بنظرية تدويل التعليم العالي، التي تؤكد أن الجامعات لم تعد مؤسسات وطنية مغلقة، بل أصبحت فاعلًا رئيسًا في الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة.ويُضاف إلى ذلك أن التعليم العابر للحدود بات يُمثل إحدى أدوات القوة الناعمة التعليمية، حيث تسعى الدول من خلاله إلى تعزيز حضورها العلمي والثقافي، وبناء شبكات تأثير معرفي تتجاوز الحدود الجغرافية
وتتعدد دوافع تبني التعليم العالى العابر للحدود في مصر، من أبرزها: الطلب المتزايد على التعليم الدولي عالي الجودة، والسعي إلى تحسين ترتيب الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، والحد من هجرة الطلاب إلى الخارج، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتعليم في الشرق الأوسط وإفريقيا، فضلًا عن تنويع مصادر تمويل التعليم العالي. كما يرتبط هذا التوجه بمحاولات الدولة تخفيف الضغط المتزايد على الجامعات الحكومية، ورفع القدرة التنافسية للنظام التعليمي المصري في سوق التعليم العالمي
ويرتبط التعليم العابر للحدود ارتباطًا وثيقًا بالتصنيفات الدولية للجامعات، حيث يركز تصنيف QS World University Rankingsعلى مؤشرات مثل السمعة الأكاديمية، والسمعة لدى أصحاب العمل، ونسبة الطلبة الدوليين وأعضاء هيئة التدريس الأجانب، وهي مؤشرات يعززها التعليم العابر للحدود بصورة مباشرة. كما يهتم تصنيف Times Higher Education (THE) بمحور الانفتاح الدولي (International Outlook)، وهو من أكثر المحاور تأثرًا بالشراكات والبرامج العابرة للحدود. كذلك يرتبط تصنيف UI GreenMetric بهذا النمط من التعليم من خلال نقل ممارسات الاستدامة، وتعزيز الشراكات البحثية الخضراء، وتطوير البرامج البيئية المشتركة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ظل توجه الجامعات المصرية نحو مفهوم الجامعة الخضراء. غير أن الاعتماد المفرط على مؤشرات التصنيفات الدولية قد يدفع بعض الجامعات إلى التركيز على المظهر على حساب عمق الأثر المعرفي والتنموي، الأمر الذي يستلزم توظيف هذه المؤشرات في إطار وطني نقدي واعٍ
ويتحدد مستقبل التعليم العابر للحدود في السياق المصري من خلال مجموعة من السيناريوهات التي تحكمها عدة متغيرات حاكمة، من أبرزها: الإطار التشريعي والتنظيمي (قوانين الجامعات الأجنبية والاعتماد)، والقدرة الاقتصادية ومصادر التمويل، والطلب المجتمعي على التعليم الدولي، والتحول الرقمي والبنية التكنولوجية، والتنافس الإقليمي، إلى جانب قضية الهوية الثقافية واللغوية
السيناريو الأول:
السيناريو التفاؤلي (الاندماج العالمي الكامل) ؛ ويقوم هذا السيناريو على التوسع الكبير في إنشاء فروع الجامعات الدولية داخل مصر، وهيمنة اللغات الأجنبية في التدريس، وإقامة شراكات استراتيجية واسعة مع جامعات متقدمة في التصنيفات العالمية، والحصول على الاعتماد الدولي المزدوج للبرامج. ويُتوقع أن يسهم هذا السيناريو في رفع جودة التعليم العالي، وتقليل هجرة العقول، وجذب أعداد متزايدة من الطلاب الأجانب، وزيادة الدخل القومي من قطاع التعليم. إلا أن هذا السيناريو ينطوي في المقابل على تحديات جوهرية، من أبرزها خطر تحويل التعليم إلى نشاط تجاري بحت، وتآكل الخصوصية الثقافية في حال غياب الضوابط الوطنية المنظمة
السيناريو الثاني:
السيناريو الإصلاحي المتوازن (التوطين الذكي)؛ ويرتكز هذا السيناريو على إقامة شراكات دولية انتقائية مع جامعات مرموقة، مع التركيز على نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية، وتقديم برامج مشتركة تُراعى فيها مواءمة المحتوى مع السياق المصري، وتعزيز البحث العلمي المشترك. ويحقق هذا السيناريو تحسينًا ملموسًا في جودة التعليم دون الإخلال بالهوية الوطنية، كما يسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على الاستدامة المعرفية، ويُعد الخيار الأكثر واقعية وملاءمة للمرحلة الراهنة. ويتسق هذا السيناريو بصورة مباشرة مع رؤية مصر 2030، ولا سيما محاور بناء الإنسان، والتحول الرقمي، وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، بما يجعل التعليم العابر للحدود أداة للتنمية لا مجرد استيراد لنماذج تعليمية
السيناريو الثالث:
السيناريو التكنولوجي (العولمة الرقمية)؛ ويركز هذا السيناريو على التوسع في التعليم الدولي عبر المنصات الرقمية، وتقديم شهادات دولية من خلال أنماط التعلم المدمج، وإنشاء جامعات افتراضية عابرة للحدود، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التدريس والتقويم، واعتماد الشهادات الرقمية. ويتميز هذا السيناريو بانخفاض التكلفة وزيادة فرص الإتاحة ومرونة التعلم، غير أنه يواجه تحديات تتعلق بالفجوة الرقمية، وإشكاليات الاعتماد وضمان الجودة، والحفاظ على النزاهة الأكاديمية
السيناريو الرابع:
السيناريو التشاؤمي (التبعية التعليمية) ؛ويقوم هذا السيناريو على استيراد نماذج تعليمية جاهزة دون مواءمة مع الواقع الوطني، وهيمنة أجندات خارجية على المحتوى التعليمي، وارتفاع تكلفة التعليم بما يؤدي إلى إقصاء قطاعات واسعة من المجتمع، فضلًا عن ضعف البحث العلمي المحلي. وتتمثل نتائجه المتوقعة في تعميق الفجوة الطبقية، وتفاقم عدم المساواة التعليمية، وتهميش دور الجامعات الوطنية، وفقدان الاستقلال المعرفي.
وفي ضوء ما سبق، تشير المعطيات إلى أن سيناريو التوطين الذكي يمثل الخيار الأنسب للحالة المصرية، شريطة تبني استراتيجية وطنية واضحة للتعليم العابر للحدود تتضمن: تطوير منظومة الاعتماد وضمان الجودة، وربط البرامج الدولية باحتياجات سوق العمل المصري، وإلزام الشراكات الدولية بخطط حقيقية لنقل المعرفة وبناء القدرات، ومراعاة البعد الثقافي واللغوي، وتوسيع المنح الدراسية للحد من التمييز الطبقي. كما يُقترح اعتماد مؤشرات وطنية لقياس أثر التعليم العابر للحدود، مثل حجم البحث العلمي المشترك، ومدى توطين المناهج، ومردود هذه البرامج على التنمية المجتمعية، بدلًا من الاكتفاء بالمؤشرات الدولية وحدها.
وبذلك يمكن للتعليم العابر للحدود أن يتحول من مجرد أداة لتحسين الترتيب في التصنيفات العالمية إلى مدخل استراتيجي فاعل لدعم التنمية المستدامة، وتعزيز الدور الإقليمي لمصر في مجال التعليم العالي
1. Altbach، P. G.، & de Wit، H. (2020). Internationalization and Global Tension. Journal of Studies in International Education.
2. Knight، J. (2016). Transnational Education Remodeled. International Higher Education.
3. OECD (2022). Education at a Glance.
4. UNESCO (2023). Global Education Monitoring Report.
5. QS Rankings Methodology (2024).
6. Times Higher Education Methodology (2024)
7. UI Green Metric World University Rankings Guidelines (2023)
كاتب المقال
أ.د الهلالي الشربينى الهلالي
أستاذ التخطيط التربوي والإدارة التعليمية بجامعة المنصورة ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني سابقًا
- التعليم
- التعليم العالي
- التعليم العالي العابر للحدود في مصر
- التعليم العالى العابر للحدود
- فروع الجامعات الأجنبية
- العولمة التعليمية
- مفاهيم العولمة التعليمية
- تدويل التعليم العالي
- Transnational Education – TNE
- التصنيفات الدولية للجامعات
- تصنيف QS
- World University Rankings
- مصر
- تنويع مصادر تمويل التعليم العالي
- ترتيب الجامعات المصرية
- Times Higher Education
- UI GreenMetric
- الجامعات المصرية
- الجامعة الخضراء
- لتبعية التعليمية
- المنصات الرقمية
- الذكاء الاصطناعي
- استيراد نماذج تعليمية
- التوطين الذكي
- جامعة المنصورة
- التربية والتعليم
- التخطيط التربوي
- البرامج الدولية
- سوق العمل المصري
- التنمية المستدامة
- الاستقلال المعرفي
- ضمان الجودة
- ضعف البحث العلمي
- أنماط التعلم المدمج
- جامعات افتراضية
- مرونة التعلم
- رؤية مصر 2030



